جلال الدين السيوطي

28

الإتقان في علوم القرآن

والبيان والبديع ، وقال : إن العلوم التي اطلعت عليها ولم يقف عليها أحد من مشايخي فضلا عمن دونهم . صنّف السيوطي العلوم على حسب مقدرته على دراستها ، فقال : ودون هذه العلوم التي اطلعت عليها في المعرفة أصول الفقه والجدل والصرف ودونهما الإنشاء والترسل والفرائض ، ودونهما القراءات ولم آخذهما عن شيخ ، ودونهما الطب ، وأما الحساب فأعسر شيء علي ، وأبعده عن ذهني ، وإذا نظرت في مسألة أجد في حلّها صعوبة كبيرة أو على حدّ تعبيره : كأنما أحاول جبلا أحمله « 1 » . ظلّ السيوطي يواصل الدراسة والتحصيل حتى تفقّه في علوم عصره ، وأجيز بتدريس العربية ، وهو نحو السابعة عشر من عمره ، وأجيز بالتصدي لتدريس الفقه والفتيا وهو في نحو السابعة والعشرين . لقد بلغ السيوطي هذه المنزلة العلمية الرفيعة منذ صغره بفضل نشأته العلمية ، كما أنه من بيت علم ، فبرع في علوم الدين واللغة والتاريخ ، ولم يكتف بالدراسة في القاهرة ، بل سافر إلى كثير من الأمصار كما بينّا ذلك آنفا ، وقد تجمّعت لديه في أثناء هذه الرحلات براءات وإجازات كثيرة بالتدريس « 2 » . والسيوطي قد كملت عنده أدوات الاجتهاد وحصل علومه ، وذكر ذلك عن نفسه في « حسن المحاضرة » « 3 » ، وفي « الردّ على من أخلد إلى الأرض » وفي « طرز العمامة » وفي « مسلك الحنفا » قال : ( لو شئت أن أكتب في كلّ مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها ، وأجوبتها ، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها ، لقدرت على ذلك ، من فضل اللّه تعالى ، لا بحولي ولا بقوتي ) . وكان سريع الكتابة وحاضر البديهة ، وقد أفتى في النوازل ، وخرج الحوادث على أصول الإمام الشافعي ، وألّف في أكثر الفنون وأجاد ، وسارت فتاواه ومؤلفاته مسير الشمس في النهار . ورزق القبول من علماء الأمصار ، واختصر مؤلفات كثيرة وكبيرة ولمجموعة من العلماء الذين سبقوه في هذا المجال والباع ، والحق أنه لولا هذه الاختصارات في كلّ العصور من قبل علماء الإسلام لمن سبقهم لاندرست مؤلفات كثيرة قيمة في جميع فنون الإسلام ، والتي عادة تفقد في الحروب والاضطرابات ، ومنهج السيوطي في الاختصار كمنهج شيخه ابن حجر في

--> ( 1 ) الضوء اللامع - للسخاوي 4 / 65 ، ومؤلفات السيوطي ص 113 . ( 2 ) شذرات الذهب : 8 / 52 ، وتدريب الراوي ص 12 . ( 3 ) حسن المحاضرة 1 / 338 ، وتدريب الراوي ص 12 .